الواحدة بعد منتصف الليل كان يفترض بي أن أكتب لكَ قبل رحيلي، وأن اعتذر عن كل الأشياء القاسية التي قُلتها أثناء جدالاتنا المتكررة، عن كل المرات التي أخفقت فيها في اصلاح الصدع الذي كان يكبر بيننا وعن كل الكلمات التي لا يمكن استرجاعها بعد البوح بها. لا يمكن أن أُنكِر، لقد كان عاماً مذهلاً هذا الذي قضيناه معاً، لكن مثل كل الأشياء هناك نهاية حتى للأيام السعيدة التي نود لو تبقى للأبد. لن تصدق هذا لكنني وددت لو أبقى إلى جانبك ذاك المساء نمشي معاً حتى ساعات الفجر الأولى على شاطئ البحر ثم ألوّح لك وأنا ابتعد نحو منزلي وتصير يدي مثل حمامة بيضاء تطير إليك. لكن شيئاً أقوى مني كان يشدني بعيداً عنك، بقيت أقاومه طوال الوقت حتى تمكّن مني في نهاية المطاف. يؤسفني أنني لم استطع منع نفسي من المغادرة وأنني حين ودعتكَ للمرة الأخيرة التي كنتَ تظن أنها مثل كل المرات السابقة وداع قصير لساعاتٍ نلتقي بعدها في مقهانا المفضل على الطاولة الملاصقة للنافذة وكنت أعرف أنه فراقنا الأخير وأنني لن أراك أو أسمع منك لأعوام. الثانية بعد منتصف الليل تصعب الكتابة عن هذا، لأنني أدرك كم تبدو سخيفة محاولات تبرير أمرٍ...
شقة فارغة ونافذة كبيرة بإطار أبيض تُطلُ على البحر ويومٌ أول لأمرأةٍ وحيدة في المدينة. امرأة ظلت تهرب من الماضي، تُبدّل المدن كما تبدل ثيابها كل صباح. تغمض عينيها وتمر بيدها على مجسم صغير للكرة الأرضية تحمله في حقيبة سفرها، وتختار عشوائياً مدينة جديدة تطير إليها. كلما أقلعت طائرة، بدأت رحلتها في التخفف من ذكرياتها، تُعيد تَمرير شريط حياتها مثل فلمٍ حفظت كل مشهد من مشاهده، ومرة بعد أخرى تُلقي عن كاهلها واحدة من الذكريات. تعيد ترتيب المشهد من جديد بحيث لا تكون هناك، تريد أن تُخفي أي أثر لها بحيث لا تعود الذكرى تخصها. وتترك فراغاً كبيراً، فراغاً لا يُمكن ملئه؛ هكذا تستطيع أن تنسحب من كل ذكرى لئيمة كانت تدمي قلبها وهكذا كانت تشعر أنها أكثر خفة من ريشة تطفو في الفضاء وأنها حققت انتقامها في نهاية المطاف من حياة لم ترغب بها يوماً. بدأت رحلتها في اليوم الذي ضاقت فيه شوارع مدينتها، كانت المدينة تَصغر شيئاً فشيئاً، تصير الطرقات أضيق، تنخفض السماء كما لو أنها تريد أن تسحقها، وتشعر كما لو أن المكان ما عاد يتسع لها، تسأل مَن حولها عن تفسيرٍ لما يحدث لكن يبدو أن لا أحد يلحظ هذا الضيق سواها. لا م...
20 تشرين الثاني قدّرت أن أي خطوة للأمام سوف تكلفني حياتي، ولهذا وقفت متيبسة كأن قدّمي دُقَّتا إلى الأرض بمسامير غليظة وأي خطوة ستتطلب مني جهداً لم أعد أحمله في هذه اللحظة على وجه الدّقة . لم يعد في وسع أحد أن يفعل شيئاً، وأدرك أنني اليوم لم أعد بحاجة إلى مزيد من المواساة أو حتى الحظ. لقد كان قراراً اتخذته بملء إرادتي بعد أن رتبت أوراقي وفكرت لعدة شهور فيما سأقدم عليه. وهكذا ستعرفون حين تقرأون هذه الرسالة - التي قد يجدها أحدهم في جيبي الأيمن - أنني لم أتواجد هنا عبثاً أو بمحض الصدفة . لقد قدمت طلب استقالة من العمل، ووافق عليه المسؤول المباشر بعد جهد حثيث. كانت هذه هي الخطوة الأيسر على الاطلاق. فلم يكن العمل يوماً، ذاك الشيء الذي يشكل عائقاً أمام أي مشروع من مشاريعي المجنونة. وهكذا أزحت العثرة الأولى التي تحول ما بيني وبين الهاوية بعد أن كنت قد رسمت على مكتبي الرثّ في الغرفة المعتمة، مخططاً يصف الطريق ما بين هنا، الذي كان حينها "هناك" وما بين هناك الذي هو هنا الآن. وشعرت بارتياح عميق عندما ازحت أول عائق من أمامي . كنت أعرف أن الجزء الأصعب، سيكون التخلص من أ...
Comments
Post a Comment