Posts

لم يكن وحيداً، كانت لديه مكتبة

Image
"لم يكن وحيداً، كانت لديه مكتبة" في العام الماضي كتبت هذه الجملة وقررت أن يكون عاماً مُختلفاً برفقة الكتب. لم تكن هذه العبارة بمثابة إيحاءٍ بأن من يقف وراءها شخصية انطوائية، على العكس تماماً، لدي عدد جيد من الأصدقاء الرائعين "الذين أكاد أحسد نفسي عليهم" أرافقهم منذ أعوام طويلة.  وكتبي في هذه الحالة لا تقل مكانة عنهم بل تقف في صفٍ واحد معهم جنباً إلى جنب لتدعم صمودي في هذه الحياة. عام من الحب والكتب ورائحة الورق، عامٌ كامل كنت أجمع فيه الكتاب تلو الآخر من شتى بلاد العالم، لتقطع الكتب مسافاتٍ طويلة حتى تصل في نهاية المطاف بعد تنقلٍ بين يدٍ وأخرى، إلى يدي المتلهفة. في كل كتابٍ أقرأه، كانت تنشأ علاقة ما بيني وبين شخصيات الكتاب الذين يصبحون أصدقائي، يرافقونني إلى العمل ويعودون معي بعد نهارٍ منهك إلى البيت لنجلس سوياً في ساعةٍ متأخرة من المساء ونكمل رحلتنا. نطلق العنان للخيال فيأخذنا إلى أماكن بعيدة وأزمنة أبعد، فأختار أنا أعود برفقة أحد الكتب مائة عام للوراء أتجوّل في روسيا برفقة دوستويفكسي فأسجن مرة في سيبيريا وأتعرف إلى زملائي السجناء، ثم أخرج من سجني لأقا...

أيلول رام الله

Image
رام الله التي لم تعنِ لي شيئاً قبل قدوم صديقتي المقربة للعمل فيها تدرك تماماً أن المدن بالنسبة لي ترتبط بالأشخاص لا بالأماكن. وأنها اليوم ستعود كمان كانت؛ تتراجع إلى المجهول حيث لا أحد هنا أجلس معه في المقهى يومياً بعد انتهاء العمل لأُفرغ ما في رأسي وقلبي بينما تتصاعد رائحة القهوة في الهواء وتَفرغ الأكواب من السحر الأسود. لم تكن رام الله مكاني الأثير، لكن الشهور الأخيرة جعلت لها مكاناً عميقاً في قلبي.  برفقة صديقتي ازداد ارتباطي بالمدينة وبدأت تعارفي مع مدينة ظلّت مجهولة رغم مكوثي فيها لعامٍ كامل. الشوارع، الأشجار، مكتبة رام الله العامة، المطاعم التي ارتدناها، الأطعمة التي نغامر بتجربتها، الشوارع التي نمشطها بأقدامنا أيام الخميس. وكل الملامح التي اكتسبت بُعداً آخر. والأهم هو المقهى الذي نلتقي فيه بشكلٍ شبه يومي و النادل الذي يعرف تفاصيلنا كما لو كان صديقاً لنا؛ يعرف من يحضر في موعده ومن يصل متأخراً على الدوام. هذا اللمَّاح يعرف أصدقائنا جيداً ويستطيع تميز صديقنا المقرَّب من بين العابرين من جلستنا معهم وتعابير وجوهنا.  يحفظ عن ظهر قلب مشروبنا المفضّل وارتباطات حالتن...

لماذا أكتب؟ - نبال قندس

Image
لماذا أكتب؟ لأن الجندي الذي يوقف حافلتنا جانباً –كل يوم تقريباً – ويفتح بابها بكل ما أوتي من حنق، ثم يصرخ في الركاب طالباً منا "الهويات" ليصفق الباب مرة أخرى عائداً إلى زملائه يثير استفزازي، أكتب. ولأن هذه الكتابة قد تكون هي المحرك الذي يدفع عجلة هذا العالم للتقدم قليلاً لتزيح هذا الجندي عن طريقنا وبالتالي يكون باستطاعتي أن أصل باكراً إلى المنزل. ويكون أيضاً باستطاعتي أن أغير اتجاه المنزل فلا يعود المنزل المؤقت في شمال الضفة الغربية أكثر من محطة قديمة، نعود إليها بين حين وآخ ر لنلقي التحية ونعود إلى منزلنا في حيفا . أكتب، لأنني كلما قرأت كتاباً قلب حياتي رأساً على عقب وفتح في عقلي ألف نافذة جديدة يدخل منها الهواء النقي إلى أعماق روحي، فاختلفت نظرتي للحياة عرفت إلى أي مدى مهمةٌ هي الكتابة .  أكتب لأكون سبباً في حدوث مثل هذه العواصف. أو لأكون ضوءاً يُسلّطُ على قضية ما، أيّاً كان حجمها فيكون في هذا الضوء نصف الدواء وخطوة أولى نحو الحل أو شمعة صغيرة تقود نحو طريق ما . أكتب، لأن ما قرأته منذ طفولتي وحتى الآن ساهم في تشكيلي وصقلي وإعادة ترتيبي مئات المرات لأكون ما أ...

نصف ساعة فقط ..

استيقظ في ساعة مبكرة، تمتد يدي بتلقائية إلى يمين السرير لأتناول هاتفي المحمول عن المنضدة وأبدأ جولتي الصباحية في تطبيقات الهاتف المتعددة لأرى ما فاتني من أخبارٍ وأحداث. يحلو لي أن أبدأ من تطبيق الفيسبوك لأتفقد خاصية "On this day" ألحظ أن الصفحة فارغة، فأعيد تحديثها مرة أخرى ظنّاً مني أن هناك خللاً ما في الموقع، لكن لا جديد . ألحظ بعد دقائق أن لا خلل لكن لا يوجد شيء نشر في صفحتي في مثل هذ اليوم فأفكر : - أيعقل أنني على مدار أربعة أعوام "وهو عمر حسابي على الفايسبوك" لم أكتب شيئاً؟ أعرف أن صمتي يعني أنني لم أكن بحال جيد. فأتوجس من هذا اليوم . بعد عدة دقائق من التفكير اكتشف أن اليوم هو التاسع والعشرون من شباط وهو يأتي مرة كل أربعة أعوام. فتهدأ نفسي قليلاً. لكن الترقب يملأني تجاه هذا اليوم . في الحافلة أقرأ كتاباً لإميل سيوران وأسمع بعضاً من الحديث الذي يدور في المقعد الخلفي بين رجلٍ وامرأة . تصاب المرأة بالغثيان، ربما لأنها ليست معتادة على قطع المسافة الطويلة بين طوباس ورام الله وربما بسبب سرعة السائق . أشعر بشكل ما أن هذه المرأة متعبة ولا ...

رسالة

Image
20 تشرين الثاني قدّرت أن أي خطوة للأمام سوف تكلفني حياتي، ولهذا وقفت متيبسة كأن قدّمي دُقَّتا إلى الأرض بمسامير غليظة وأي خطوة ستتطلب مني جهداً لم أعد أحمله في هذه اللحظة على وجه الدّقة . لم يعد في وسع أحد أن يفعل شيئاً، وأدرك أنني اليوم لم أعد بحاجة إلى مزيد من المواساة أو حتى الحظ. لقد كان قراراً اتخذته بملء إرادتي بعد أن رتبت أوراقي وفكرت لعدة شهور فيما سأقدم عليه. وهكذا ستعرفون حين تقرأون هذه الرسالة - التي قد يجدها أحدهم في جيبي الأيمن - أنني لم أتواجد هنا عبثاً أو بمحض الصدفة . لقد قدمت   طلب استقالة من العمل، ووافق عليه المسؤول المباشر بعد جهد حثيث. كانت هذه هي الخطوة الأيسر على الاطلاق. فلم يكن العمل يوماً، ذاك الشيء الذي يشكل عائقاً أمام أي مشروع من مشاريعي المجنونة. وهكذا أزحت العثرة الأولى التي تحول ما بيني وبين الهاوية بعد أن كنت قد رسمت على مكتبي الرثّ في الغرفة المعتمة، مخططاً يصف الطريق ما بين هنا، الذي كان حينها "هناك" وما بين هناك الذي هو هنا الآن. وشعرت بارتياح عميق عندما ازحت أول عائق من أمامي . كنت أعرف أن الجزء الأصعب، سيكون التخلص من أ...

مسافات

Image
المسافة لا تقاس بالمترات بل بتلك الحرارة المنبعثة من الأجساد. من مدى الدفء الذي نشعر به مع كل ملمتر واحد. هكذا فقط يصير القريب بعيدا والبعيدُ قريباً . هكذا يصير مشوار الألف ميل على بعد لمسة يد، وتصير اليد الباردة الملامسة جباهنا أبعد مسافة في العالم .  البعض، يولدون ملائكة، هالة من نور ودفء. غمامة من عطر لا مثيل له على وجه الأرض. صوت أنفاس تعرف كيف تتحدث أكثر من أصحابها. تعرف كيف تبتكر أبجدية من العناق والقُبل. أبجدية من اللمسات . نحن الكائنات الوحيدة المثيرة للدهشة، لأننا عرفنا   كيف نعجن السحر والكلام ونصنع منه ما يدعو الحب. وعرفنا كيف نصنع من جناحنا الناعم قوة ومن أمنياتنا حمامات سلام . كيفك أنت؟ هذا ما يقوله قلبي، هكذا تفقد لغتي نفسها أمام هذا الغروب، هكذا يصير لاسمي ألف معنى ولصوتي ألف نغم. وأعود أيضاً مجرد طفلة لا تعرف من العالم إلا بديهياته . تومض أضواء السيارات، ويزداد الليل حلكة، ويغمر الغروب كل شيء كشالٍ حريري يغطي كتفي امرأة تنتظر في ليلة ماطرة خلف النافذة . الأسود، أساطير عصور قديمة، وحكايات تقصّها الجدات على الحفيدات فيحلمن كل يوم بفرسان شجعان وخيلٍ...

راكب المقعد الأمامي - نبال قندس

Image
مرة أخرى، لكن في المقعد الأمامي. يتكئ رأسه على يدّه اليمنى التي بدورها تستند إلى حافة النافذة. يمكنني أن أرى من موقعي بعض الشعر الأبيض الذي بدأ يغزو رأسه في هذا العمر المبكّر. أظافره مرتبه بطريقة تجعلك تتعجب أن هذه اليد، يدُّ شاب . يضع سماعات الهاتف في أذنيه، لا مبالياً بصوت فيروز في مسجل الحافلة .  يرتدي سترة سوداء جلدية، شعره مقصوص حديثاً على ما يبدو .  يلتفت إلى اليمين قليلاً فأستطيع مشاهدة رموشه التي تكاد تلامس السماء .  الشاب إلى جانبه، ينظر إليه بطرف عينه بين حين وآخر. والشابة إلى جانبي تنام على كتف امرأة إلى جانبها، لا تكترث مثلي بهذه الوجبة الروائية الدسمة التي تجلس أمامي . ليس رجلاً عادياً على كل حال، فبوسعي أن أراه في رواية ما، بطلاً، أو فارساً نبيلاً على ظهر جواده . صمته وهدوءه يدفعان امرأة ما إلى ملاحقته إلى آخر العالم لفكّ هذا الغموض المحيط به. قد تلحق بهِ إلى الحرب لتراه في بدلة عسكرية التي تمنح عينيه بعضاً من لونها، فيصير لهما لون زيت زيتون مضيء . وقد تكتب له ألف رسالة، تمرّرها له فلا ينتبه وتضيع الرسائل . وقد تعتزل العالم أعواماً طوال لتكتب ...